محمد غازي عرابي

896

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

يوما ، والإشارة إلى الاسم الحي الممثل في الحشيش ، وقد أعاد كل ما اسود في الخلوة أخضر ، والمرأة إشارة إلى النفس الحيوانية ، كما أشير إليها من قبل بزليخا امرأة العزيز ، فالمهاجر العارج الواصل يضرب بعصا موسى ذات القدرة كل ما حوله فيخضر ، وينادي على نفسه فتجيب ، وفي قصة يوسف أن يوسف تزوج بزليخا بعد أن خرج من السجن ، وجعل على خزائن الأرض ، وأنه لما دخل بها وجدها عذراء ، فالنفس وإن طغت أصلها نور ، وهويتها نور ، وما تمثيلها لدور المقاومة والتضاد إلا لفتق سماء الموحد وأرضه ، ودورها من فعل اللّه . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 45 إلى 51 ] وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ( 48 ) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ( 51 ) [ ص : 45 ، 51 ] ضرب المثل الموحدين من الأنبياء ، وهم آحاد أفراد يبعثون كابر عن كابر ، وقد جعلهم اللّه مصابيح الهدى وبصائر للناس ، يرونهم فيرون اللّه ظاهرا في هؤلاء الكمل ، سبحانه وحاشاه أن يرى من غير حجاب الصور ، فاختار أجمل الصور وهو الإنسان الكامل فظهر به وأيده ونصره وأعزه وهزم وحده الأحزاب ، ويكفي أن يلقي الإنسان نظرة على التاريخ ليجد كيف خلد الأنبياء ، وكيف ألف كتاب في هذا القرن ، عنوانه المائة الأوائل في التاريخ ، فصنف محمد الأول وعيسى الثالث . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 52 إلى 54 ] وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ( 52 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ ( 53 ) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) [ ص : 52 ، 54 ] قاصرات الطرف إشارة إلى المعقولات ، وقد صفا شرابها من كدورات عالم الحسيات والشوائب ، فصارت تجريدات خالصة ، لا يمازجها شيء من عالم المادة ، وهذه المعقولات صور ، يراها الموحد المكاشف في يقظته ، أو في منامه أو بين بين . . . وهو كلما رآها ، وفي أي حال كانت ، أفادته علما هو العلم الإلهي الصحيح لا ريب فيه ، يبني للموحد صرحا ممردا من قوارير الصفات ، فيرى الباطن ظاهرا ، والظاهر باطنا ، والكبير صغيرا ، والصغير كبيرا ، والكثرة فردا ، والفرد كثرة ، فإذا العالم بما فيه عبد لهذا العبد الصالح ، وإذا هذا العبد في مقعد صدق عن مليك مقتدر ، قد أوتي خير الدارين وكنوز العالمين . ووصفت هذه المعقولات بأنها قاصرات الطرف له رقيقة ، ذلك أن الموحدين فقط هم الذين خصوا بهذه الهبات العقلانية من الصور الرحمانية ، علما أن الناس جميعا يرون في